الهدية والمناسبات التي تقدم فيها :

الهدية قديمة قدم البشرية نفسها فقد ذكر في القرآن أن النبي سليمان عليه السلام عندما أرسلت له بلقيس ملكة سبأ هدية لتكون بداية تحاورهما ردها سيدنا سليمان وقال " انتم بهديتكم تفرحون " ([55]) فنستطيع أن نستدل من هذه العبارات أن الهدية قد عرفت منذ فترة طويلة من الزمن ولا تزال موضع التبادل بين الناس إلى يومنا هذا . والجدير بالذكر أنها ذات موقع اجتماعي واقتصادي كبير نظراً لما تقوم به من توثيق للعلاقات الاجتماعية وتكثيف التفاعل بين البشر .

والهدية قد تقدم على شكل خدمات أو أشياء مادية مقابل خدمات فمثلا قد تقدم الهدايا للخدمات التي يؤديها السحرة لإنبات الأرض أو استنزال المطر وكذلك تقدم الهدايا للمعالج مقابل الطقوس العلاجية لتبرئة المرضى من الامهم ([56]).

والخدمات يصعب تقييمها أو تقديرها تقديراً مادياً دقيقاً ، ويدخل في هذا النوع جميع أنواع الخدمات التي يؤديها الأخصائيون للأفراد أو للمجتمع مثل السحر الخاص بالزراعة . وهذا ينطبق أيضاً على السحر الخاص بشفاء الأمراض أو استنزال المطر ([57]).

ومن الأمور التي يشملها رد الهدايا : الصداقة ، والمساعدة العارضة والمعلومات المفيدة والدعم في بعض مواقف الصراع الاجتماعي ([58]).

وبالرغم من أن هذه الظاهرة قد خضعت كغيرها من الظواهر الاجتماعية للتغير والتطور فأصبح لها أشكالا عديدة وصوراً مختلفة ودلالات متعددة إلا أن السمة الغالبة هي وجود صفة الإلزامية فيها . وقد عرف العلماء نوعين أو شكلين من أنواع الهدايا وهما الهدايا الخالصة والهدايا الملزمة . وسنعرض هنا لهذين النوعين مع تسليط الضوء على الهدايا الملزمة . فالهدية الخالصة تأخذ شكل التبرع وتتعلق بالعطايا والهدية المعطاة عن كرم وتتصف بالاختيار والمنح الإداري الذي لا يتوقع منه أي مقابل .

ويرى موس أن الهدايا في المجتمعات البدائية قد يبدو أنها تقدم عن تفضل وارادة بينما هي في حقيقة الأمر ليست اختيارية بل جبرية ولغرض معين ولذلك أطلق عليها موس الهدايا الإلزامية ([59]).

والهدية الإلزامية هي التي تأخذ عنصر الإلزام والإجبار بمعنى أنه يتحتم على الشخص المهدى إليه أن يرد هدية أخرى مماثلة أو بما يساويها في القيمة . وهذا النوع عكس الهدية الخالصة التي هي عبارة عن أفعال وخدمات يقدمها الشخص لغيره من الناس دون أن يتوقع منهم مقابل لها . وتأخذ ظاهرة الإلزام في المجتمعات البدائية ثلاث مظاهر : العطاء والأخذ والرد ([60]).

أي الالتزام بتقديم الهدايا والالتزام بقبولها والالتزام بردها وهذه الثلاث مظاهر مرتبطة بشكل كبير في المجتمعات البدائية . ففي جزر فيجي جنوب ميلانيزيا يوجد نظام لتبادل الهدايا يسمى الكيري كيري حيث خلاله لا يمكن رفض أي شيء من أحد فيقع تبادل الهدايا بين الأسرتين أثناء الزواج ([61]) . أما مجتمعات الهنود الحمر في الشمال الغربي لأمريكا فيلتزم زعماء القبائل بتقديم الهدايا (روح البوتلاش) عن الأبناء والبنات وأرواحهم وأرواح الأسلاف التي يجب إرضاؤها حتى تبارك زعامة الرجل . وكذلك الإلتزام بقبول الهدايا وإلا يكون ذلك دليل على الخوف من عدم القدرة على الرد لاحقاً . وقد يرفض الزعيم قبول الهدية إمعاناً في إظهار مكانته السامية على أساس أنه فوق قبول هدية من أدنى . فالالتزام هنا يتضمن إقامة الحفل الذي يدعى إليه أثرياء القوم ويوفر لهم الطعام ويقدم لهم الهدايا . ويتضمن أيضاً الالتزام برد الدعوة وذلك عن طريق إقامة حفل لاحق ([62]).

وكذلك تتبع الهدايا التي يتبادلها الميلانيزيون في الكولا نفس الأسلوب إذ أنها إلزامية لأن الشركاء يتبادلون الهدايا والزيارات والخدمات والحماية الأمنية والسحر ويتوقعون من شركائهم أن يقوموا بنفس الشيء عندما يذهبون إليهم في جزرهم ([63]).

وهناك علاقة شبيهة بالكولا على أساسها تقوم مبادلات منتظمة وجبرية بين الشركاء من قبائل زراعية من جهة وقبائل بحرية من جهة أخرى . فالشريك الفلاح يأتي ليضع منتجاته أمام شباك شريكه الصياد . وعلى هذا الأخير بعد أن يقوم بصيد وفير أن يذهب إلى القرية ليقدم لشريكه الفلاح مقابل هديته محصول صيده ([64]).

ونستطيع أن نرى من الأمثلة السابقة أن تبادل الهدايا في المجتمعات البدائية نادراً ما يكون اختياراً وحتى لو بدأ لنا أن هذه الهدايا تعطى لوجه الهبة والعطاء فأنها تعطى في الحقيقة لوجود صفة الإلزامية فيها والتي لا يستطيع أي فرد في المجتمع البدائي أن ينكرها وإلا يتهم بالخوف من الرد . وقد بلغ الأمر في بعض المجتمعات إلى حد طرد المرأة التي لم يحسن أقاربها العطية رداً عما تلقوه في عملية المصاهرة ([65]).

ورأى موس أن الهدايا مهما كان نوعها أو شكلها ومهما كانت نوعية المناسبات التي تقدم فيها وحتى عندما لا يكون المهدى إليه في حاجة مادية إليها إنما تتضمن بالضرورة نوعاً من الالتزام تفرضه على المهدى إليه وتتطلب منه أن يقوم بردها إما بما يساويها في القيمة وأما بهدية أكبر منها في القيمة . ولقد حاول موس بشدة أن يتوصل إلى تفسير علمي لخاصية الجبر والإلزام في تقديم الهدايا في المجتمعات البدائية . أو يمكن القول بطريقة أخرى أن موس حاول أن يهتدي إلى القواعد والقوانين التي تحكم هذه الظاهرة وتجعل منها شيئاً جبرياً وليس اختيارياً . وأخيراً توصل هذه الانثروبولوجي إلى أن هذه الصفة الإلزامية في تبادل الهدايا في المجتمعات البدائية ترجع إلى عدة مفاهيم .

1 أن الشيء المعطى كائن له روح وتكمن فيه قوة تحركه وهو مرتبط بصاحبه الأول ، فإذا أعطى فإن روح الشيء نفسه تضمن رجوعه أو رجوع ما يعادل قيمته إلى مالكه الأول .

2 وجوب العطاء ووجوب الأخذ ووجوب الرد فوجوب العطاء مرجعه أن الشيء بما أنه متداخل مع صاحبه ومتكامل معه فإن إعطاءه يعتبر تعبيراً عن رغبته في التقرب إلى الشخص المعطى له والتحالف معه . ووجوب أخذ الشيء المقدم هو بمثابة تعبير عن قبول هذه المحالفة والمشاركة والقرابة التي عرضها المعطي . والامتناع عن العطاء والأخذ معناه رفض المشاركة والتحالف وذلك في حكم إعلان الحرب الخاصة أو العامة .

3 مفهوم القربان والصلة بينه وبين الهدايا ، فالقربان هو الهدية إلى الناس لوجه الالهة والطبيعة وقد يكون أحياناً لوجه الالهة والأرواح كثمن للحصول على الأمان والسلام ([66]).

فالاعتقاد عند الكثير من المجتمعات البدائية أن الهدايا تكمن فيها قوة روحية تتسبب في رجوعها إلى معطيها الأصلي وهذه هي إحدى المفاهيم التي حاول الأنثروبولوجيين دراستها وبحثها . والسبب الآخر هو أن إعطاء الهدايا وقبولها وردها يعني الرضا بقبول العلاقة مع المهدى إليه والدخول في أحلاف وصداقة أو قرابة . والرفض يعني علنياً عدم قبول هذه الصداقة أو التحالف . وهذا ما يجعل من تقديم الهدايا شيئاً مقدساً وإلزامياً في المجتمعات البدائية . ففي جزر التروبرياند يدخل سكان الجزر في تحالفات سياسية وتفرض عليهم عملية التبادل المستمرة عدداً من الحقوق والواجبات والالتزامات المتبادلة وبذلك تخلق نوعاً من العلاقات الواسعة الممتدة بين القبائل المختلفة . وبما أن الهدية تعتبر ظاهرة اجتماعية إذاً لابد أن لها بعض الوظائف التي تقوم بها . وسنستعرض بعض هذه الوظائف التي استنتجناها من الدراسات السابقة .

 

وظائف الهدية :

1 عناصر لها علاقة بالشرف والسمعة :

أن الهدية ترتبط في تقديمها وفي قبولها بنوع من الشرف والسمعة وذيوع الصيت. وذلك كما في نظام " البوتلاتش" السائد في عدد من قبائل الهنود الحمر الذي يرتكز في اساسه على أن يقوم الشخص من ذوي المكانة والمركز الاجتماعي بتوزيع نوع من الأغطية على أقاربه الذين لا يلبثون بعد انقضاء فترة من الزمن أن يردوا إليه هذه الأغطية بعد أن يضيفوا إليها أعداد أخرى كبيرة قد تصل إلى أضعاف ما أخذوه منه في الأصل . ويهدف ذلك إلى اكتساب المزيد من الشرف والسمعة الطيبة وذيوع الصيت عن طريق المدح والإعطاء والمبالغة في الرد ويلجأ الشخص إلى إحراق الكثير من ممتلكاته وإحراق هذه الأغطية ذات القيمة الاجتماعية العالية ليدلل على إستهانته بالأشياء المادية التي تؤلف ثروة الرجل العادي .

وكلما أهدر الشخص هذه السلع المادية وقام بإحراقها أو إتلافها كلما ارتفعت مكانته في المجتمع . ويتضح ذلك أيضاً عند مجتمع " التيف " من خلال تبادلهم الهدايا وإزالتها عن طريق استهلاكها بالاستعمال الشخصي أو في إقامة الحفلات بحيث لا تعود تعتبر عنصراً من عناصر التبادل . فإن عملية الإزالة بهذه الطريقة تؤدي إلى رفع مكانة صاحبها ([67]).

 

2 توطيد العلاقات الاجتماعية :

إن في تبادل الهدايا توطيد للعلاقات الاجتماعية حيث في مجتمع " التيف " قد يضطر الفرد أحياناً إلى أن يستبدل بعض السلع ذات الفئة الاجتماعية المنخفضة

بسلع ذات قيمة اجتماعية عالية تحت وطأة الظروف الخاصة التي يعيش فيها وبخاصة فيما يتعلق بالتزاماته نحو أقاربه أو حاجة هؤلاء الأقارب الماسة إلى تلك السلع رقم أنها لا تتمتع بقيمة مساوية لتلك السلع التي اضطر للنزول عنها . وأن المجتمع ينظر بعين الاعتبار إلى الشخص الذي يعمل على تحويل ثروته من السلع الدنيا إلى السلع ذات القيمة الاجتماعية . ومجتمع التيف يحتقرون الشخص الذي تنحصر كل ممتلكاته وكل ثروته في السلع الخاصة بالقوت والمعيشة والسبب في ذلك يرون أنه عجز في الشخص عن أن يحقق مثل ذلك العمل الذي يقدره المجتمع.

ويسلك التبادل في نظام " الكولا " مسلك الأصدقاء إلا أن الحقوق والواجبات والالتزامات المفروضة على أطراف التبادل تتفاوت تبعاً للمسافة التي تفصل الجزر والقرى عن بعضها البعض وكذلك تبعاً للمركز الذي يشغله الفرد . فإن الرجل العادي يدخل في علاقات على مقربة منه أي مع أقربائه وأصدقائه بينما الرجل الغني تتشعب علاقاته إلى حد كبير نظراً لمكانته الاجتماعية العالية . وكأن كل طرف من أطراف التبادل في نظام الكولا الذي يعيشون في جزر متفرقة تفصل بينهما البحار يعتبرون حلفاء يناصرون بعضهم البعض في أوقات الشدائد إلى جانب القيام بواجبات الضيافة ([68]) . بالإضافة إلى أن نمط التبادل نفسه كثيراً ما يكون دليلاً على وجود علاقة اجتماعية من نوع معين بالذات مثلاً في تبادل الهدايا . وفي ذلك يقول مارشال سالينز " أنه إذا كان الأصدقاء يتبادلون الهدايا فإن الهدايا هي التي تصنع الأصدقاء ([69]).

 

3 أغراض اقتصادية :

إن نظام التبادل الشعائري يتبعه مقايضة لسلع تجارية كنشاط ثانوي . ويجري التبادل في الكولا بالسلع القيمة وهي العقود والأساور المصنوعة من المحار بين شركاء الكولا . وعلى الرغم من أن هذا النظام يعتبر نظام شعائري بالدرجة الأولى ولا تحصل فيه المساومة إلا أنه يوجد فيه تبادل لسلع تجارية ثانوية .

فحينما يشرع أحد أفراد الحلقة في زيارة شركائه في الاتجاه المقابل ، فإنه يحمل قاربه ما استطاع من أطعمة ومصنوعات مادية منتجة محلياً لبيعها في هذه الرحلة. وبعد انتهاء الإجراءات الصورية المتعلقة بهدايا الكولا فإن هذه السلع تخضع للمساومة وتباع للآخرين بحيث يكون الطرفان المتاجران على درجة من الرضا بصفقاتهما ([70]).

 

4 أغراض لها علاقة بالمركز الاجتماعي :

يرتبط تبادل الهدايا بالمركز الاجتماعي في الكثير من المجتمعات . ففي مجتمع التيف يتبع الأشخاص عدة طرق للحصول على المزيد من المكانة الاجتماعية . فقد يلجأون إلى إزالة السلع وتدميرها أو تحويلها إلى اشكال أخرى بحيث لا تصبح سلعاً من سلع التبادل . فقضبان النحاس الأصفر يمكن تحويلها إلى أنواع أخرى من الحلي ، والأبقار والماشية يمكن ذبحها في المناسبات المختلفة ، أما القماش الأبيض الذي يقيم له التيف وزناً كبيراً فيستهلك بالاستعمال الشخصي . وقد يعتقد بعض العلماء أن الأفراد في المجتمعات البدائية يلجأون إلى تجميع السلع للحصول على المزيد من المكانة الاجتماعية ولكن هذا اعتقاد خاطئ . فالرجل البدائي يسعى للحصول على السلع ولكنه لا يحتفظ بها لنفسه بل يتخلص منها بعدة طرق كما ذكرنا . ومن هذه الطرق الإزالة والتدمير والتحويل . وكلما ارتفعت قيمة الهدية المقدمة كلما ارتفعت مكانة الشخص الاجتماعية ، وتزيد أيضاً مكانة الشخص الاجتماعية بزيادة كمية الثروة الموزعة في المناسبة وليس في ادخارها والمحافظة عليها([71]).

 

 

 

 

 

 


الهدية من المنظور الإسلامي

لقد جاء ذكر الهدية في القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة وذلك لما لها من أثر في النفوس واستحباب قبولها ولو القليل منها والمكافأة عليها .

حيث ندب الدين الإسلامي إلى الهدية وحث عليها واعتبرها عنصراً لتشييد المحبة والمودة بين القلوب . قال تعالى )وإذا حييتم بتحية فحيوا بأحسن منها أو ردوها(([72]).

وقد أجمعت الأمة على جواز أخذ الهدية ورغب الإسلام في إعطائها لما في ذلك من تأليف القلوب وتوثيق عرى المحبة والتواصل بين الناس وتنمية العلاقات بينهم وتقريب بعضهم البعض ([73]).

وقد حض النبي r على قبول الهدية ولو قلت لما فيها من التكاتف وعدم احتقار الشيء القليل فلا يحتقر الإسلام الهدية مهما صغرت . وقد اكتسب الناس في تبادل الهدايا نوع من التقليد والعادات والأعراف بحيث غدت وكأنها جزء حيوي من حياتنا الاجتماعية ([74]).

وأن الرسول الكريم r يقبل الهدية ولا يقبل الصدقة . ويثيب على الهدية لأنها تعتبر تعبير عن الوفاء والإخلاص للصديق كما أنها المفتاح لفتح علاقات جديدة ومتينة وهي الحل الأمثل للقضاء على العدوات والأحقاد والضغينات التي تحملها القلوب على بعضها البعض ([75]).

والهدية لا تقيم بقيمها المادية وإنما بقيمتها المعنوية وبما ترمز إليه من محبة وصفاء نفوس وحسن سريرة . فالشريعة الإسلامية تطلب كل ما يقرب إلى قلوب الناس ويغرس فيهم المحبة ويؤكد فيها روابط الأفراد الاجتماعية .

 

المناسبات التي تقدم فيها الهدايا :

الإنسان بطبيعته اجتماعي كثير الاتصال بمن حوله ، ويتولد لديه علاقات وروابط تجمع بينه وبين الناس في المناسبات المختلفة ، ولكل مجتمع من المجتمعات مجموعة من العادات والتقاليد المختلفة التي تميزهم عن غيرهم . ومن ضمن هذه العادات عادة تبادل الهدايا في المناسبات المختلفة ومن هذه الهدايا :

 

1 هدايا الزواج :

وهي تبدأ أولاً بهدايا الخطوبة وهذا النوع من الهدايا تعبير عن طلب المودة والمحبة وتوثيق للعلاقات بين الخطيبين وبداية للعلاقة الجديدة بينهما ، وتبقى كنوع من الذكرى لما بعد الزواج وتجديد لمودة الزوجين لبعضهما البعض .

وتختلف هدايا الخطوبة تبعاً للايدلوجية السائدة في المجتمع والمستوى الاقتصادي للأفراد فمثلاً في بعض المجتمعات يقدم العريس طقماً من الذهب أو ساعة غالية والبعض الآخر يقدم حقيبة مليئة بالأقمشة والعطور وأمور خاصة بالمرأة ([76]).

وفي غرب أسوان في جمهورية مصر العربية يقوم العريس في حفل الخطوبة بتقديم الشبكة وهي عبارة عن دبلة وعدد من الأساور ، أما أم العريس فتقدم بعض زجاجات الشراب ، ومشط ، ومنديلين وغيرهما من الهدايا التي تخص العروس([77]).

ويتم اتفاق بين أهل العروس والعريس بعد تقديم الخطبة بحضور الشيخ وفي هذه الجلسة تحدد " الشيلة " وهي عبارة عن دقيق وقمح وذبائح وخضروات يرسلها العريس في ليلة الفرح كمساعدة لهم في حفل الزواج .

ومن بعض العادات أيضاً في بعض المجتمعات إنه بعد الاتفاق على الخطبة وتقديم هدايا الخطوبة يقوم أهل العريس بإرسال كميات من الفاكهة لبيت العروس ويقوم أهل العروس بتوزيع هذه الفاكهة على الجيران والاقارب كنوع من الإعلان عن الخطبة ([78]).

وتبدأ مراسم الزواج في قبيلة الأنكندوا في إفريقيا بتقديم هدية عبارة عن خاتمين نحاسيين من جانب الرجل المتقدم للزواج لأهل العروس ويعني قبول الطرف الآخر للهدية قبولاً مبدئياً للزواج ([79]).

إذا جرت العادات على تقديم الهدايا بين الخطيبين ولكن إذا تم الرجوع عن الخطبة قبل عقد القران يجب على أهلها إرجاع كل ما كان قائما وكل ما أعطاه للعروس من الهدايا والحلي وهذا واجب في كل المجتمعات إذا كان التراجع من طرف العروس . وإذا تمت فترة الخطوبة بدون تراجع أحد الطرفين تبدأ مراسم الزواج وهي كما أشرنا سابقاً أن هدايا الزواج تختلف باختلاف العادات والتقاليد في المجتمعات .

وهدية الزواج تكون من الزوج أو أهله إلى الزوجة وهي تعبير عن المحبة والسرور والترحيب والاستهلال بالخير . ويختلف نوع الهدية باختلاف العادات في المجتمع وغالباً ما تكون في مجتمعنا من الذهب وهي تسلم في الغالب ليلة الزواج إلى الزوجة .

وهناك أيضاً هدايا الصباحية وتكون في صباح اليوم الثاني من ليلة الزفاف وقد تكون مقدمة من الزوج إلى الزوجة وفي بعض المجتمعات تعتبر هدية الصباحية واجب يقدمه العريس لعروسه ([80]) . وهناك بعض العادات التي تميز أقاليم عن أقاليم أخرى .

فمثلاً في الحجاز توجد عادة الرفد وهي من العادات التي كانت سائدة في الحجاز في القرن الرابع عشر للهجرة والتي تختص بعادات الزواج ، فقد كان الأهل والأصدقاء يقدمون الرفود لكل من العريسين فكانت هذه الرفود تصل في شكل أكياس من الأرز والسكر وصناديق السمن والشاي تحملها العربات إلى بيت العريس خاصة قبل الزواج بيوم أو يومين وكان يهيأ لها مكان خاص لاستقبالها وشخص معين لاستلامها وكانت تقيد حتى ترد بمثلها أو أحسن منها في مناسبة مماثلة للمهدى ([81]).

وفي جمهورية مصر العربية وفي غرب أسوان بالتحديد توجد ظاهرة " فلوس الرضوة " وتتلخص في أن العروس ترفض في ليلة زواجها أن يقترب منها زوجها إلا بعد أن يعطيها مبلغاً من المال وهو يدفعه عادة من النقوط الذي يجمعه ليلة الفرح ([82]).

والنقوط هي هبة يقدمها الأشخاص للعريس للتعبير عن مشاركتهم أفراحه ومساهمة منهم لما يتكبد من مصروفات ونفقات لهذه المناسبة إذا تعتبر النقوط نوع من أنواع الهدايا التي يتبادلها الأفراد في مناسبات الزواج وهي دلالة كبيرة على المشاركة الجماعية للفرد وتعبير عن الضبط الاجتماعي والرابطة الأسرية القوية ، وهذه النقوط يقدمها الأقارب والمدعوين أيضاً .

إذا المبدأ الحقيقي للنقوط أنها وسيلة لإعطاء الرأي بالرجل واستعدادهم للتضحية والمشاركة ([83]).

وأيضاً من مراسم الزواج عند قبائل الانكندوا في افريقيا أن يقوم العريس ووالده وأقرباءه بتقديم الهدايا لأهل العروس وأهم هذه الهدايا " المدية " التي يقدمها العريس لوالد العروس والتي تكون لها أهمية رمزية كبيرة تعنى انتقال المسؤولية العرفية من والد العروس إلى العريس بحيث يكون مسؤولاً عن كل ما يمكن أن يحدث للعروسين ([84]).

ومن الهدايا المنتشرة في معظم المجتمعات هي هدايا الوضع أي الولادة ، وهدايا الختان وهدايا زيارة المريض .

 

وعن هدايا زيارة المريض :

فهي تعتبر واجب على الأفراد عند زيارة المرضى من أجل مواساتهم والاطمئنان عليهم ومن أجل أن يحس المريض بأنه موضع الأهمية ، وهي تكون عبارة عن الحلوى أو باقات الورود .

أما عن هدايا الولادة . فهي تقدم حسب نوع الجنين أن كان ذكراً أو أنثى وتكون مبالغاً فيها إذا كان المولود الأول لهذه الأسرة وهي تقدم من أهل الأم أو الأصدقاء([85]).

هدايا الختان :

يتم الختان وسط مظاهر احتفالية كبيرة وتقام له وليمة . وفي هذا الاحتفال يقوم الناس بتقديم الهدايا وهي تكون عادة مما يستعمله الصبي أو تكون دنانير ودراهم([86]) . وهناك هدايا تقدم كتعبير عن الفرح والسرور بلقاء من أحببت من الأهل والأصدقاء .

 

هدايا السفر :

 يعطيها القادم من السفر لأهله وأولاده ويعطيها لشخص ليقسمها بين امراته وأولاده وتختلف قيمة الهدية ونوعها بحسب الحالة الاقتصادية للأفراد وهي عادة تكون من منتجات البلد الذي كان موجود فيه ، وبعض الناس يحرص على أن تكون الهدية غالية الثمن أو تكون ذات قيمة عالية([87]).

وهناك مناسبات أخرى تقدم فيها الهدايا من أجل جلب المحبة وإنشائها والمحافظة عليها ، ولتثبيت الصحبة والعشرة والمرؤة بين الناس مثل :

هدايا الوالدين : وهي أن يهب أحد الوالدين أحد أبنائه عطيه دون إخوانه بسبب بره له ، أو لكون الابن الأكبر شارك في تكوين الثروة أو تربية إخوانه ([88]).

هدية العيد : " العيدية " : فهي شكل من اشكال الهدايا التي تمنح للأطفال من أجل إدخال الفرح والسرور لأنفسهم ومن أجل أحداث نوع من البهجة بالعيد وقد تكون هذه الهدايا في شكل ريالات من الفضة تعطى للأطفال عند زيارتهم لبيوت الأقارب والأصهار والجيران ولقد كان الأهل يحرصون على الا يزور أبنائهم بيوتاً حتى لا يحرجون أهلها بمنح أطفالهم للعيديات ([89]).

هدية النجاح : هدية النجاح تختلف النظرة إليها بين الناس فهناك من يرى أنها ضرورية والبعض الآخر يرى بأنها غير مهمة إلا في المراحل النهائية ، وكما تقدم للطلاب هدايا بسبب النجاح وتقدم للمدرسين هدايا الغرض منها الحب والتقدير وهي تقدم للمدرس أو معلم القرآن بصفة عامة ([90]) . والغرض منها التقرب من المعلم من باب المودة والمحبة ولعلمه وصلاحه([91]).

وقد أشار ديننا الحنيف إلى مناسبات تقدم فيها الهدايا وذكر لنا هدايا مشروعة مستحبة وتكون من أجل جلب المودة ومنها :

1 الهدية لقضاء حاجة : يقصد بها الإعانة على قضاء الحاجة كما هو الحاصل في القديم عند تقديم مساعدات لوالد العريس للمساعدة في مصاريف الزفاف([92]).

2 الهدية للمودة والمحبة : وهي لجلب المحبة وإنشاءها والمحافظة عليها ، وتأكيد الأخوة وحسن العشرة والمرؤة بين الناس وهي على حالات :

أ هدية الأعلى النظير : وهذا النوع إذا كان من الأعلى إلى الأدنى في الجاه والمال ، أو من الكبير للصغير فهي غالباً ما تكون كالصدقة أو تكون من باب الصلة والبر أو من باب النفع والتوسعة وتأليف القلب إذا أعطيت للعدو .

ب- الهدايا للمكافأة عليها . وذلك بأن يهدى الأدنى للأعلى في الجاه والمنزل أو الفقير للغني أو الصغير للكبير ، أو النظير لنظيره بغرض إنشاء المودة والمحبة([93]).

___________

 

([55]) سورة النمل ، آية 36.

([56]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، ص253.

([57]) نفس المرجع ، ص254.

([58]) بيلر ، رالف ، مرجع سابق ، ص 327.

([59]) موس ، مارسيل ، مرجع سابق ، ص13.

([60]) نفس المرجع ، ص17.

([61]) نفس المرجع ، ص 110.

([62]) أحمد عباس ، 1983 ، الأنثروبولوجيا الاجتماعية ، دار العلم للطباعة والنشر ، ص 54-55.

([63]) نفس المرجع ، ص 54-55.

([64]) موس ، مارسيل ، مرجع سبق ذكره ، ص 105.

([65]) نفس المرجع ، ص 112.

([66]) موس ، مارسيل ، ص15.

([67]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، 227-228.

([68]) أبو زيد ، مرجع سابق ذكره ، ص 240-247.

([69]) نفس المرجع ، ص 225.

([70]) الجوهري ، محمد ، الانثروبولوجيا ، أسس نظرية وتطبيقات عملية ، دار المعرفة الجامعية ، الإسكندرية ، ص 189.

([71]) أبو زيد ، أحمد ، مرجع سابق ، ص 238-247.

([72]) سورة النساء ، آية (86)

([73]) الطويل ، أحمد بن عبد الله ، الهدية بين الحلال والحرام .

([74]) هادي ، محمد ، الصداقة والأصدقاء ، ج3 ، ص 91.

([75]) الموسى ، رشاد علي عبد العزيز ، الشخصية الناجحة ، ص159-161.

([76]) الطويل ، أحمد ، الهدية بين الحلال والحرام ، ص33 لا يوجد سنة نشر.

([77]) الجوهري ، محمد ، مرجع سابق ، ص 422.

([78]) عباس أحمد ، مرجع سابق ، ص 93.

([79]) نفس المرجع .

([80]) الجوهري ، محمد ، مرجع سابق ، ص447.

([81]) مغربي ، محمد علي ، ملامح الحياة الاجتماعية في القرن الرابع عشر للهجرة ، ص52.

([82]) الجوهري ، محمد ، مرجع سابق ، ص477.

([83]) الهادي ، أحمد عويد ، المناسبات عند العشائر الاردنية ، ص391-392.

([84]) عباس أحمد ، مرجع سابق ، ص95.

([85]) الجوهري ، محمد ، مرجع سابق ، ص435-436.

([86]) البيت النابلسي ، الفرق بين الهدية والرشوة ، 1399هـ ، ص143.

([87]) نفس المرجع ، ص145.

([88]) الطويل ، أحمد بن أحمد ، مرجع سابق ، ص32

([89]) المغربي ، محمد علي ، مرجع سابق ، ص42.

([90]) الطويل ، أحمد بن أحمد ، مرجع سابق ،ص 72

([91]) نفس المرجع ، ص72

([92]) نفس المرجع ، ص 35

([93]) الطويل ، أحمد بن أحمد ، مرجع سابق ، ص 34.



حقوق النشر والطبع © 2001 الهدية. جميع الحقوق محفوظة
Copyright © 2000 alhadiah.com for Internet sites. All rights reserved

info@alhadiah.com